الجاحظ

251

البخلاء

بأدب اللَّه أنك تتقلب في الخيرة مجزى « 1 » بذلك إما عاجلا وإما آجلا « ، ثم قال : « فلم تجر أبو بكر ؟ ولم تجر عمر ؟ ولم تجر عثمان ؟ ولم تجر الزبير « 2 » ؟ ولم تجر عبد الرحمن ؟ ولم علَّم الناس يتّجرون ، وكيف يشترون ويبيعون ؟ ولم قال عمر : إذا اشتريت حملا فاجعله ضخما ، فإن لم يبعه الخبر « 3 » باعه المنظر ؟ ولم قال عمر : « فرّقوا بين المنايا ، واجعلوا الرأس رأسين » ؟ ولم قال عثمان ، حين سئل عن كثرة أرباحه ، قال : « لم أردّ من ربح قطَّ » ؟ ولم قيل : لا تشتر عيبا ولا شيبا ؟ وهل حجر عليّ بن أبي طالب على ابن أخيه عبد اللَّه بن جعفر « 4 » إلا في إخراج المال في غير حقّه ، وإعطائه في هواه ؟ وهل كان ذلك إلا في طلب الذكر ، والتماس الشكر ؟ وهل قال أحد ان إنفاقه كان في الخمور والقمار ، وفي الفسولة « 5 » والفجور ؟ وهل كان إلا فيما تسمّونه جودا وتعدّونه كرما ؟ ومن رأى أن يحجر على الكرام لكرمهم ، رأى أن يحجر على الحلماء لحلمهم . وأيّ إمام بعد أبي بكر تريدون ؟ وبأيّ سلف بعد عليّ تقتدون » ؟ وكيف نرجو الوفاء والقيام بالحق ، والصبر على النائبة ، من عند لعموظ « 6 » مستأكل وملَّاق مخادع ومنهوم بالطعام شره ، لا يبالي بأيّ شيء أخذ الدرهم ، ومن أيّ وجه أصاب الدينار ، ولا يكترث للمنة ولا يبالي أن يكون أبدا منهوما منقوما عليه ، وليس يبالي إذا أكل كيف كان ذلك الطعام ، وكيف كان سببه وما حكمه . فإن كان مالك قليلا فإنما هو قوام عيالك ، وإن كان كثيرا فاجعل الفاضل عدة لنوائبك . ولا يأمن الأيام إلا المضلَّل ، ولا يغتّر بالسلامة إلا المغفّل . فاحذر طوارق البلاء وخدع رجال الدهاء . سمنك في أديمك ،

--> « 1 » مجزى : والأولى أن تكون فتجزى . « 2 » هو الزبير بن العوام الأسدي ، من كبار الصحابة وهو ابن عمة النبي وحواريه . قتل غيلة . « 3 » العلم والمعرفة . « 4 » صحابي : ولد بأرض الحبشة ، لما هاجر أبوه إليها ، وكان كريما جوادا . توفي سنة 90 ه . « 5 » الفسولة : الدناءة . « 6 » اللَّعموظ : النهم .